بقلم د/ هايدي مجدى
تخيل مجتمعاً يقرر أن يستغني عن قدرات وإمكانيات ملايين من أبنائه لمجرد اختلاف في أجسادهم أو طبيعة استجابتهم للمحيط من حولهم! إن المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس اليوم بارتفاع ناطحات السحاب أو بحجم التداول الرقمي فحسب، بل بمقدار قدرتها على استيعاب جميع أفرادها وتوفير الفرص العدالة لهم. ومن هذا المنطلق، لم يعد دمج "ذوي القدرات الخاصة" أو "ذوي الهمم" مجرد شعار أخلاقي أو باب من أبواب التكافل الاجتماعي، بل أصبح استثماراً اقتصادياً وحضارياً وفرضاً عينياً على أجندة التنمية المستدامة.
تحول التشريعات.. من الرعاية إلى التمكين
شهدت السنوات الأخيرة في مصر نقلة نوعية في فلسفة التعامل مع ملف ذوي الهمم؛ حيث انتقل المفهوم من مجرد تقديم "الرعاية والشفقة" إلى "التمكين وإعمال الحقوق". ويُعد صدور قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018 خطوة فارقة أرست قواعد جديدة في مختلف القطاعات.
بطاقة الخدمات المتكاملة: أسهمت في تسهيل وصول الخدمات الصحية والتعليمية للمستحقين وضمان مظلة حماية اجتماعية شاملة.
الوعي المجتمعي: أدت المبادرات الوطنية والفعاليات الدورية - وعلى رأسها احتفاليات "قادرون باختلاف" - إلى كسر الحواجز النفسية بين المجتمع وهذه الفئة، وإبراز مواهبهم كشركاء فاعلين في الوطن.
محاور الدمج الشامل: كيف نبني بيئة دامجة؟
إن مفهوم الدمج الحقيقي لا يتوقف عند حدود النص القانوني، بل يتطلب تطبيقاً ميدانياً يمس ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. الدمج التعليمي:
يُشكل التعليم الحجر الأساس في عملية التمكين. ولا يعني الدمج التعليمي مجرد قبول الطفل في المدرسة، بل يمتد إلى تهيئة البيئة التعليمية بكافة عناصرها، بدءاً من تدريب المدرسين على التعامل مع مختلف صعوبات التعلم واضطرابات الطيف، وصولاً إلى توفير المناهج المجهزة والوسائل التعليمية المساندة.
2. الدمج الاقتصادي وسوق العمل:
تتجاوز نسبة الـ 5% المقررة قانوناً للتوظيف فكرة "الاستيفاء الورقي" إلى استثمار الطاقات الحقيقية. أثبتت التجربة الميدانية أن ذوي القدرات الخاصة يمتلكون مستويات عالية من التركيز والالتزام في مجالات متنوعة كالبرمجة، الأعمال اليدوية والفنية، والمهارات التحليلية، متى ما توفرت لهم بيئة العمل المناسبة.
3. الإتاحة المكانية والتكنولوجية:
الدمج لا يكتمل دون إزالة العوائق الفيزيائية. إن تصميم الطرق والمباني والمواصلات العامة وفق معايير الإتاحة (Ramps، الإشارات الصوتية، لغة برايل)، إلى جانب تهيئة المواقع والتطبيقات الإلكترونية، يضمن استقلالية هذه الفئة وحقها الأصيل في الحركة والمشاركة بدون قيود.
تحديات الشارع.. عقبات في طريق التمكين
على الرغم من المكاسب التشريعية والمبادرات المستمرة، ما زالت هناك تحديات ميدانية تتطلب تكاتف المؤسسات مع المجتمع المدني:
العقبات الثقافية: لا تزال بعض الرؤى المجتمعية تنظر إلى ذوي الهمم بمنظور "العطف" أو "القصور"، مما يعوق تفعيل دورهم كشركاء متساوين في التنمية.
الفجوة بين العاصمة والمحافظات: تتمركز معظم مراكز التأهيل والخدمات المتخصصة في المدن الكبرى، مما يضع عبئاً إضافياً على الأسر في القرى والمحافظات النائية.
التأهيل النفسي لبيئة العمل والتعليم: الحاجة الماسة لنشر ثقافة التقبل ومناهضة التنمر في المدارس وأماكن العمل لتوفير بيئة نفسية آمنة ومشجعة.
الاستثمار في الإنسان.. رؤية للمستقبل
إن دمج ذوي القدرات الخاصة ليس تفضلاً من المجتمع أو منحاً موسيقية، بل هو حق أصيل وإعادة استثمار لطاقات معطلة. إن تمكين فرد واحد من ذوي الهمم يعني حماية أسرته بالكامل، وتحويل طاقتهم إلى رافد من روافد الناتج القومي والمجتمعي.
المجتمع القوي والمتماسك هو ذلك الذي يستوعب التنوع، ويقاس نجاحه بقدرته على ألا يترك أحداً من أبنائه خلف الظهر.
