في زمنٍ تغيّرت فيه علاقة الطفل بالمعرفة، لم تعد المدرسة وحدها هي المكان الذي تبدأ فيه رحلة التعلّم. فقد أصبحت الشاشة جزءًا من يوم الطفل، وأصبح السؤال الحقيقي أمام المعلّم المعاصر: كيف نستخدم هذه المساحة الجديدة لصالح التعليم بدلًا من تركها للترفيه وحده؟
تقدم تجربة مالك حساب «ادرس صح» (adros_sah)، الأستاذ وليد نبيل عبد العظيم محمد، نموذجًا يستحق التأمل في هذا السياق. فالتجربة لا تقوم على نقل الدرس التقليدي إلى منصة رقمية فحسب، وإنما تحاول إعادة صياغة طريقة وصول المعرفة إلى الطفل، من خلال الجمع بين المحتوى التعليمي والأسلوب القريب من عالمه واهتماماته.
وتكمن أهمية هذا النموذج في إدراك أن الطفل المعاصر لا يتعامل مع المعلومة بالطريقة نفسها التي كانت تتعامل بها الأجيال السابقة. الصورة، والحركة، والإيقاع السريع، والتفاعل المستمر أصبحت عناصر مؤثرة في عملية الفهم والانتباه. ومن هنا يصبح دور المعلّم ليس فقط أن يعرف ماذا يعلّم، وإنما أن يعرف أيضًا كيف يجعل الطفل راغبًا في التعلّم.
وفي تعليم اللغة العربية تحديدًا، تبدو هذه المسألة أكثر أهمية؛ لأن التحدي لا يرتبط بالمعلومة وحدها، بل بتكوين علاقة وجدانية بين الطفل واللغة. فالطفل الذي يشعر أن العربية جزء ممتع من يومه، وليس مجرد مادة دراسية، يكون أكثر استعدادًا لاكتسابها والاستمرار معها.
كما أن إتاحة المحتوى التعليمي عبر منصات متعددة مثل تيك توك وإنستغرام وسناب شات ويوتيوب تفتح الباب أمام مفهوم مختلف للمدرسة؛ مدرسة لا ترتبط بجدران أو ساعات محددة، وإنما تصل إلى المتعلم حيث يوجد. وإذا اقترن ذلك بمحتوى تأسيسي منظم ومتاح بصورة مجانية، فإن التأثير المحتمل يتجاوز حدود الطالب الفرد إلى الأسرة والمجتمع.
وربما يكون الدرس الأوسع من تجربة وليد نبيل أن مستقبل التعليم لن يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على المعلّم القادر على توظيف التكنولوجيا دون أن يفقد جوهر رسالته. فالتقنية وسيلة، أما الثقة والقدوة والقدرة على تبسيط المعرفة فهي ما يمنح الوسيلة قيمتها الحقيقية.
ومن هذه الزاوية، تصبح تجربة «ادرس صح» أكثر من مجرد حضور تعليمي على مواقع التواصل؛ إنها إشارة إلى إمكانية ظهور نماذج جديدة من المعلّمين، يستطيع أصحابها الجمع بين المعرفة الأكاديمية والوعي بثقافة الجيل الجديد، ليصبح تعليم العربية أقرب إلى الطفل وأكثر حضورًا في عالمه اليومي.
